ابن عربي

108

فصوص الحكم

فلما ساقهم إلى ذلك الموطن حصلوا في عين القرب فزال البعد فزال مسمى جهنم في حقهم ، ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق لأنهم مجرمون . فما أعطاهم هذا المقام الذوقي اللذيذ من جهة المِنَّة ، وإنما أخذوه ( 1 ) بما استحقته حقائقهم من أعمالهم التي كانوا عليها ، وكانوا في السعي في أعمالهم على صراط الرب المستقيم لأن نواصيهم كانت بيد من له هذه الصفة . فما مشوا بنفوسهم وإنما مشوا بحكم الجبر إلى أن وصلوا إلى عين القرب . « ونَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْه مِنْكُمْ ولكِنْ لا تُبْصِرُونَ » : وإنما هو يبصر فإنه مكشوف الغطاء « فبصره حديد » . وما خص ميتاً من ميت أي ما خص سعيداً في القرْب ( 2 ) من شقي . « ونَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْه من حَبْلِ الْوَرِيدِ » وما خص إنساناً من إنسان . فالقرب الإلهي من العبد لا خفاء به في الإخبار الإلهي . فلا قرب أقرب من أن تكون هويته عين أعضاء العبد وقواه ، وليس العبد سوى هذه الأعضاء والقوى فهو ( 3 ) حق مشهود في خلق متوهم . فالخلق معقول والحق محسوس مشهود عند المؤمنين وأهل الكشف والوجود . وما عدا هذين الصنفين فالحق عندهم معقول والخلق مشهود . فهم بمنزلة الماء الملح ( 4 ) الأجاج ، والطائفة الأولى بمنزلة الماء العذب الفرات السائغ لشاربه . فالناس على قسمين : من الناس من يمشي على طريق يعرفها ( 5 ) ويعرف غايتها ، فهي في حقه صراط مستقيم ( 6 ) . ومن الناس من يمشي على طريق يجهلها ولا يعرف غايتها وهي عين ( 7 ) الطريق التي عرفها الصنف الآخر . فالعارف يدعو إلى الله على بصيرة ، وغير العارف يدعو إلى الله على التقليد

--> ( 1 ) ن : أخذوا ( 2 ) ا : الغرف ثم أصلحت في الهامش القرب ن وب : العرف بالعين ( 3 ) ب : وهو ( 4 ) ا : المالح ( 5 ) ساقط في ن . أما ب فلا يسقط فيه إلا كلمة فهي ( 6 ) ساقط في ن . أما ب فلا يسقط فيه إلا كلمة فهي ( 7 ) ب : غير